يحيى بن معاذ الرازي

176

جواهر التصوف

تخشى القلب وتتجنّب نقده ولومه وشده وجذبه ، فلو غرقت الجوارح في التهم لسارعت النفس بكتمان ذلك على القلب ، وأحيانا تموّه عليه فتزكى جوارحها بالقول والعظات ، بل أحيانا تأخذ جانبا عمليا فتسارع إلى العبادات كالصيام أو الصلاة ، وهكذا . وبمجالسة الحكماء وهم العلماء العاملون تتأدب النفس وتساير القلب في اتجاهه ، ولا تدخل عليه العجب فيما وصل إليه والاغترار به ، فالجلوس مع الصالحين فيه شفاء للنفوس . وفي الحديث القدسي « هم القوم لا يشقى بهم جليسهم » أي يسعد وينصلح حاله . * * * 267 - « حينما خاطروا بالنفوس اقتربوا ، وهذا طعم الخبر ، فكيف بطعم النّظر » [ الحلية : 10 / 59 ] * روى البخاري عن أنس وعن أبي هريرة رضى اللّه عنهما ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ربّ العزة عزّ وجلّ : « إذا تقرّب إلىّ العبد شبرا ، تقربت إليه ذراعا ، وإذا تقرب إلىّ ذراعا تقربت منه باعا ، وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة » وروى أحمد في مسنده عن أنس رضى اللّه تعالى عنه صلى اللّه عليه وسلم عن ربه عزّ وجلّ قال : « يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم ، وإن دنوت منّى شبرا ، دنوت منك ذراعا ، وإن دنوتّ منى ذراعا دنوت منك باعا ، وإن أتيتني تمشى ، أتيت إليك أهرول » . بهذين الحديثين من المبشّرات يفرح العابدون فرحا لا يعدله فرح ، إلا أنه دون فرحهم يوم يرون ربّهم جل وعلا . قال تعالى : إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة : 15 - 17 ] ، وهل هناك من قرّة أعين فوق رؤية ربّهم . وهذا طعم النّظر . روى البخارىّ وغيره عن جرير بن عبد اللّه رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ( أي لا يظلم بعضهم بعضا في هذه الرؤية ) فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها فافعلوا » . يرونه بغير كيف ولا تشبيه ، كما أنهم يعرفونه في الدنيا بغير كيف ولا تشبيه ، وقال ابن عباس في قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال : الزيادة النظر إلى اللّه تعالى بلا كيف . وفي قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] قالوا : الإدراك علم إحاطة وهذا للّه وحده ، أما الرؤية فمن قال بها احتجّ بقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ] ، وقوله تعالى في وصف من غلبت عليهم الشقوة كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] . * * *